كوركيس عواد

169

خزائن الكتب القديمة في العراق منذ أقدم العصور حتى سنة 1000 للهجرة

قدم بغداد وأنا بها ، وكان يتردد إلى خزانة الكتب بالمدرسة المستنصرية ، أيام كنت مشرفا على الخازن جمال الدين ياقوت المستعصمي ، وكان يوردنا الأخبار وينشدنا الأشعار ، كتبت عنه من شعره وشعر غيره ، ثم خرج مسافرا سنة 699 ه » « 1 » ( 1299 م ) . لقد لبثت هذه الخزانة ردحا طويلا من الزمن تحفل بكتبها التي تعد بعشرات الألوف ، وتزخر بالمطالعين والمستفيدين من نفائس مكنوناتها . ولا غرابة في أن تتسع بمثل هذا الاتساع ، بعد أن مرّ بنا ما كان من عناية المستنصر بها ، ثم المستعصم من بعده ، تلك العناية الفائقة التي شهد بها المؤرخون . ولكن نكبات مختلفة انتابتها فزعزعت أركانها . وكان في طليعة تلك الرزايا ، حادثة استيلاء المغول على بغداد سنة 656 ه ( 1258 م ) ، وتدميرهم معالم العلم والعمران فيها . ويمكننا أن نستنتج مما ذكره ابن شاكر الكتبي والصفدي ، في ترجمة « نصير الدين الطوسي » ، ان جانبا كبيرا من هذه الخزانة نقل من بغداد إلى مراغة ، عند استيلاء المغول على العراق . فان نصير الدين « كان ذا حرمة وافرة ومنزلة عالية عند هولاكو ، وكان يطيعه فيما يشير به عليه . . . وابتنى بمراغة قبة ورصدا عظيما ، واتخذ في ذلك خزانة عظيمة فسيحة الأرجاء وملأها من الكتب التي نهبت من بغداد والشام والجزيرة ، حتى تجمّع فيها زيادة على أربعمائة ألف مجلد » « 2 » . ولقد مر بنا آنفا ، قول ابن عنبة المتوفى سنة 828 ه بصدد هذه الخزانة ، وهذا إعادة بعضه : « . . . والظاهر أنه لم يبق منها شيء ، واللّه الباقي » « 3 » !

--> ( 1 ) تلخيص مجمع الألقاب ( ص 458 - 459 من النسخة المصورة ) . ( 2 ) فوات الوفيات ( 2 : 149 ) ، والوافي بالوفيات ( 1 : 179 ) . ( 3 ) عمدة الطالب ( ص 82 ) .